O.C.Pمُت قاعِدْ... يا مُتقاعد 

اعذروني، لن أُحدِّثكم هذه المرة في السياسة المحلية، ولا في أخطاء المسئولين، ولا في مطالب ومشاكل الشغيلة، فقط تحملوني أو لا تتحملوني في موضوع خاص يمُس شريحة من البشر وأنا الآن منهم. شريحة أقرب أن نُشبِّهها بخيل الإنجليز، إذا هي هرِِمت يُطلِق عليها سيّدها الرصاص في الرأس وبلا رحمة.

 
وهذه رُبما تكون فُرصة لمراجعة جماعية، وإعادة النظر في سلوك اجتماعي عام، وقد يكون من المُلائم إبداء الرأي للخروج من النفق بما يفيد وينفع، فالناس أجمعين في طريقهم إلى الستين إلا من تولى وصار في خبر كان، والمتغطي بالزمن عريان.


أعددت نفسي في سابقة ناذرة لهذه اللحظة المصيرية التي تفصل بين زمنين مختلفين، وحياتين متباينتين لشخص واحد. نعم جهزت ما يكفي من زاد نفسي بسؤال من سبقوني، وتمثل مشاعرهم، وكنت أعرف أن حياة ما بعد التقاعد لا بد وأن تشوبها مرارة التغير المفاجئ في المشاهدات والعلاقات والممارسات، وقد عايشت قصصا كثيرة بنهايات مُؤلمة لبعض من تقاعدوا.

 
متقاعد من مؤسستنا إنتهى به المطاف بائعا للنعناع. وآخر تحول إلى فقير مريض بالوحدة والقهر، لم يرحمه إلا الموت. والعشرات مرضى لايجدون ثمن الدواء ولا التوجيه الطبي.


عرفت بالمقابل وللإنصاف قصصا أخرى ناجحة للبعض آخر، متقاعد أصبح رجل أعمال يراوح السفر بين عواصم العالم، ومتقاعد ثان أصبح مالك عقارات، وثالث أصبح تاجرا في كل شيء، ورابع منحه الله الكنز الذي لا يفنى، واكتفى من الحياة بقليلها، والمراوحة بين البيت والمسجد.


أما أنا فقد ودّعت أحِبائي، وتذوقت أيضا طعم التقاعد، وعلى الرغم من استعدادي المُسبق، وتجلدي، وتسلحي بالنكات والضحكات والابتسامات، إلا أن داخلي ومن قبل التقاعد كان يطفح شيئا فشيئا بمرارة مضاعفة، وكآبة مطبقة وكأني أنتظر حُكما بالإعدام. حتى أني وأنا أُودِّع أحِبتي وأبنائي في حفل التكريم قلت صراحة أن هذا مع كل العرفان ما هو إلا حفل تأبين، تُذكر فيه المناقب والمحاسن ومن ثم نقلب الصفحة.


أما بعد التأبين...آسف، أقصد التقاعد فقد تشابهت الأيام جدا بعد مرور الأسبوع الأول وأصبحت أعيش فراغا قاتلا، أصلحت ما يمكن إصلاحه في البيت، أصبحت أحس ببعض الراحة والهدوء النفسي في صلواتي وتلاواتي، إلا أني أعاني من فارق التغير رغم سؤال المُحبين، وهم كثر عن أحوالي وصحتي.


كثيرون هم الذين حافظوا على بُنُوَتهم لي، وأُبُوتي لهم، ولم ينسوني، وأنا لم ولن أنساهم ما حييت.
كثيرون هم أيضا الذين كانوا يتقربون، ويتمسحون، وبعد التقاعد تبخروا. فلا أسف عليهم. إنها سُنة الحياة التي يجب أن تستمر بي أو بدوني. فما أنا في النهاية إلا قطرة من نهر يسير من منبعه إلى مصبه. لن يفاجئني شيء. كل شيء ممكن في هذه الحياة. الوفاء والعقوق. التواصل والنسيان. الحب والمصلحة. نشيج القلب ودموع التماسيح. فأنا لم أعد أملك أمام كرنفال الزيف والحقيقة إلا الابتسامة، والحزن، وكومة ضخمة من الصور والذكريات.

 
لن أندم على أي لحظة مرت بحُلْوِها أو مُرها في حياتي لأنها ببساطة حياتي. فقط ما يشغلني الآن أني أفكر منذ فترة ولا أزال في طريق آمن. يُوفر لي ولمؤسسة الشئون الإجتماعية التي أرعاها لُقمة عيش تحفظ لنا ما تبقى من كرامة. فليس لي سوى الله ثم ما ادخرت.


لفتت نظري النظرة المتشائمة لأحد المتقاعدين مفسرا كلمة (متقاعد) بأنها مت قاعدا، وأنا رغم شعوري بمرارة التقاعد إلا أني لن أموت بإذن الله قاعدا، وإنما كما الأشجار واقفا. فالإنسان بإرادته يستطيع أن يتجاوز التغيرات، ويكون على قدر التحديات. فالتقاعد ليس بالضرورة أن يكون نهاية بل من الممكن أن يكون بداية.


أعرف أُناسا بدءوا حياتهم الحقيقية بعد أن خلعوا عباءة الوظيفة. المهم أني سأحاول فان نجحت فبها ونعمت، وان لم انجح فيكفني شرف المحاولة.

 

مــتــقــاعــد

آسفي

طباعة الصفحة  |  عدد الزيارات :  Free Counter
 

اضافة تعليق